محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
874
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
النطف الطاهرة عن الأرحام النجسة بالشرك ، وحرّم المناكحة مع المشركات والمشركين ؛ والأصل في الشرك من جعل مع اللّه إلها آخر ؛ وأنواع الكفر ملحقة بذلك الأصل فربّما لا يكون حكم الملحق حكم الأصل ؛ فلذلك حرّم نكاح المشركين والمشركات ولم يحرّم الكتابيات ؛ فإنّ الشرك فيهنّ ليس شرك الأصل ، وليس حكم أرحامهنّ حكم أرحام المشركات ؛ وأمّا المجوس فلمّا لم يكن معهم كتاب يدرسونه وبقيت معهم شبهة كتاب حرمت المناكحة والذبيحة ، وما حرم العهد والذمّة ، فلكلّ صاحب دين درجة في الدين يعامل على قدر دينه ، وقد سمعت قصّة كاظمة الخثعمية حيث قالت لعبد اللّه بن عبد المطلّب وقد رأت فيه نور النبوّة : كن لي ليلة ولك عليّ ألف ، فقال عبد اللّه : أمّا الحرام فالحمام دونه * والحلّ لا حلّ فأستبينه فكيف بالأمر الذي تبغينه ؟ ! قالت : تزوّج بي ولك عليّ ألف من الإبل . قال : اصبري لي ليلة . فمضى وباشر حليلته المباركة آمنة بنت وهب وجاء بالغد إلى كاظمة يطلب منها النكاح . قالت : لا أريد . أنظر كيف رأت المرأة نور النبوّة وأرادت أن يكون رحمها ظرفا لذلك النور ؟ وكيف عرف عبد اللّه أنّ النور النبوي لا يجوز أن يجري عليه من سفاح الجاهلية شيء وأنّها ليست أهلا له ولا رحمها محلّا مستعدا لتربيته ، وأنّ المحلّ القابل له رحم آمنة الأمينة ، وأنّ الوقت في انتقال النور قد وجب وحان ! ! ولمّا انتقل قالت كاظمة لا أريد ذلك الآن . 124 يا حكمة في حكمة ( 361 ب ) وبصيرة فوق بصيرة ! ! وسرّ آخر : في قوله : أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ كأنّه ذكر الحكم وذكر العلّة المانعة من النكاح ، أي لمّا كانت دعوة المشركين إلى النار واللّه يدعو إلى الجنّة والمغفرة فربّما يعجبكم الحسن والجمال في جانب ومعه الدعوة إلى النار ، وتمنعكم العبودية والمسكنة في جانب ومعه الدعوة إلى العزيز الغفّار ، فكيف تجتمعان وكيف تأتلفان . وسرّ آخر : أنّ مثابة النكاح في الأقوال هو الجمع بين العالم والمتعلّم ، والائتلاف بين الشيخ والمريد ؛ فلا يأتلفان إلّا على دين جامع ، والنطف في الأرحام توازي الكلمات الواقعة في النفوس الخالية ؛ وكما يجب أن تكون الأرحام طاهرة حتّى تقبل النطف الطاهرة